الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومنه محمود كما في قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [ هود : 74 - 75 ] ، فأشار بالثناء على إبراهيم إلى أن جداله محمود . وليس المراد بالإنسان الإنسان الكافر كما في قوله تعالى : يَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [ مريم : 66 ] ولا المراد بالجدل الجدل بالباطل ، لأن هذا سيجيء في قوله تعالى : وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ الآية ، فقوله هنا : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا تمهيد لقوله بعده وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ [ الكهف : 56 ] . و ( شيء ) اسم مفرد متوغل في العموم . ولذلك صحت إضافة اسم التفضيل إليه ، أي أكثر الأشياء . واسم التفضيل هنا مسلوب المفاضلة مثل قوله : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ يوسف : 33 ] ، وإنما أتي بصيغته لقصد المبالغة في شدة جدل الإنسان وجنوحه إلى المماراة والنزاع حتى فيما ترك الجدال في شأنه أحسن ، بحيث إن شدة الوصف فيه تشبه تفوقه في الوصف على كل من يعرض أنه موصوف به . وإنما ألجأنا إلى هذا التأويل في اسم التفضيل لظهور أن غير الإنسان من أنواع ما على الأرض لا يتصور منه الجدل . فالجدل خاص بالإنسان لأنه من شعب النطق الذي هو فصل حقيقة الإنسانية ، أما الملائكة فجدلهم محمود مثل قولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها إلى قوله : وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] . وأما الشياطين فهم أكثر جدلا من الإنسان ، ولكن لما نبا المقام عن إرادتهم كانوا غير مرادين بالتفضيل عليهم في الجدل . و جَدَلًا تمييز لنسبة الأكثرية إلى الإنسان . والمعنى : وكان الإنسان كثيرا من جهة الجدل ، أي كثيرا جدله . ويدل لهذا المعنى ما ثبت في « الصحيح » عن علي : « أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طرقه وفاطمة ليلا فقال : ألا تصليان ! ؟ فقال علي : يا رسول اللّه إنما أنفسنا بيد اللّه إن شاء أن يبعثنا بعثنا ، قال : فانصرف رسول اللّه حين قلت له ذلك ولم يرجع إليّ شيئا ، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا . يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن الأولى بعلي أن يحمد إيقاظ رسول اللّه إياه ليقوم من الليل وأن يحرص على تكرر ذلك وأن يسرّ بما في كلام رسول اللّه من ملام ، ولا يستدل بما يحبذ استمرار نومه ، فذلك محل تعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جواب علي - رضي اللّه عنه - . ولا يحسن أن يحمل التفضيل في الآية على بابه بأن يرد أن الإنسان أكثر جدلا من الشياطين والجن مما يجوز على حقيقته الجدل لأنه محمل لا يراد مثله في مثل هذا . ومن